12.9.05

فروق توقيت



التاسعة والنصف مساءًا في الإسكندرية .. الثانية والنصف لديك ...
أقف في شرفة في الطابق الحادي عشر،.. أطل على عشر سنوات مضت منا وأطل عليك في قارة الكون الأخيرة
الاسكندرية... نعم
مرة أخرى ...وأنت !!
يطل القمر المكتمل على شرفتي ... بينما شمس الثانية والنصف الأغسطسية تلفح وجهك ، الذي افتقده كثيرا ..
أطل عليك من شرفة خط هاتفي طويل يصل القارات النائية..
يتخلل حديثك كلمات لغة غريبة لا أعرفها ...
تقول لي أنك تفتقدني ... أنك كثيرا ما تود التحدث إلى !!
أقفز إلى الشاطئ السكندري بصحبة صديقتي ...
" لماذا تسكنني في الإسكندرية أكثر من أي مكان آخر في الكون .. أكثر من القاهرة التي كنا معلقين فيها في طوابق بعيدة عن الأرض، في مبنيين فخمين تباعدنا دقائق ! ربما ، أو كانت سنوات ضوئية هي ؟ بينما نعيش في نفس التوقيت !!"
تدب أقدامي على رمال الشاطئ المبتلة بالأمواج المتواترة
" تطلب مني أن أحتمل .. أجيبك .. أنني سأحتمل ..."
أتشبث بالرمال مع هبوب كل موجة ثم أواصل السير على شريط الزبد الأبيض الرفيع
أقول لك أنني لا اعرف.. لا أعرف إذا كنت أحتمل حقا أم لا ..
يشير علي القمر المكتمل أن أحدثك وأقول لك ما أريد ..
أضع سماعة الهاتف التخيلية وأقول "أريدك أن تعدني الآن أن تعود إلى عودة ليس بعدها فرار ..تسير معي على الرمال المبتلة ونلعب لعبة مرحة...
نتسابق .. تترك أقدامنا خطوها على الرمال .. من يسبق ..على اللآخر أن يتبعه فيضع خطواته على وقع آثار الأول .. نبدأ العدو .. تسبقني ... ألاحقك... تنظر إلى وتبتسم .. تمد يدك إلى ونسير متجاورين ..
نستميل الأمواج إلى محبتنا..تزيد من رعونة غزواتها على الرمال الممتدة في وداعة لتخفى آثارنا ، لنذهب دون أن يلاحقنا أحد إلى كل الأماكن التي اشتقت فيها أن تكوني معي..."
أتعثر في شعاع ساقط من القمر لأتذكر أنك لازلت بعيد ، وأنني بعد أسير دونك على رمال الإسكندرية بصحبة صديقة الصبا ...
ارقص على الأمواج العابرة والرمال المبتلة رقصة الفالس ..أسير عندما تنسحب الأمواج ثم أتشبث جيدا بالرمال التي تسحب أقدامي لأسفل ، كلما زمجرت الأمواج في إقبال رعين
تتهاوي الأمواج مخلفة ورائها الزبد الأبيض...
أواصل التقدم ..
تُغير الأمواج على حافة ثوبي ..
فأقف ..
أضع سماعة الهاتف التخيلية على أذني وأقول لك أنني لم أعد احسن مجاورة ذرات التراب على أرفف سنواتك القادمة

.. وأنني اعلم أن تلك الأمواج الراقصة أسفل خطواتي تخفي بينها تلك الموجة التي ستأخذني بعيدا جدا حيث ترسو سفن أحلامي ..وحيث من المحتمل جدا ألا تكون.
اغلق الهاتف واسير ..

أضع سماعة الهاتف"التخيلية" وأصرح لك أنني كذبت عليك منذ قليل...و أنني ربما لن أحتمل ابدا .. ، وأنني ما زلت أدبر للفرار ، لأني أعرف أن شراعك تسكنها رياح عاتية أبدية .. أبت أن تستكين على شواطئي منذ بدء الخليقة ، وأن حدثا كونيا جسيما لن يحدث ليجبرها على تلك الاستكانة ..

اعود إلى توقيت الإسكندرية لأجد صديقتي تحدق في وتلزم سكونها الطيب
... تتبعني دون تبرم معلن ، بينما أقرأ في عينيها آخر صامت ، " لا أريد الذهاب إلى العريش التي ربما نبلغها إذا واصلنا هذا السير اللانهائي " ، محقة هي ، ليست في نزهة صيفية عابرة مثلي، والساعة التي تجاوزت الثانية صباحا لن تكون مؤشرا جيدا لجيرانها الطيبيين عن أخلاق امرأة تعيش وحيدة...
يأخذني شيطان جنوني فأمد يدي إلى أسفل ...أكور الرمال المبتلة وأسألها وأنا أصنع منه قرصا مستدرا ... "هل تريد طعمية ؟ " تنظر لي بابتسامة التعاطف على حالتي المفقود منها الأمل وتهز رأسها بمزيج من الرفض والـتأسي ، أحيل حفنة الرمال إلى شكل طولي مستدير وأكرر سؤالها "طيب" هل تريد أن تأكل الكفتة ..دون أن ترد على هذه المرة تكرر هز رأسها بنفس الحركة مزدوجة التعبير وتطلب مني في حزم أن نرحل ..
اعترض على الاستجابة لطلبها "المباغت" .. واطلب منها لي بعضا لوقت لمعاقبة البحر الذي بلل ثوبي تماما.. سأرحل غدا إلى القاهرة وليس لدي سوي الليلة لمعاقبته ...
بين جنوحي وتبرمها نمضي ما تبقى من الليلة .. نحتسي قهوةوالساعة تقترب من الثالثة فجرا ...هي ... تلح في العودة
...أما
أنا..
أسير معك ...
نحو مطعما أنيقا....
في البلاد البعيدة....
لنتناول عشاءنا ....